لماذا بعض العقول لا تقبل التحديث؟ استكشاف العقل البشري المرن والجمود المكتسب

 

نعيش في عالم يسابق الزمن لتحديث كل ما هو تقني، لكن هل فكرنا يوماً في تحديث عقولنا؟ بينما الأجهزة تتطور باستمرار، يبدو أن بعض البشر يعيشون بعقليات متحجرة، غير قابلة للتغيير، وكأن الزمن توقف عندهم. فما السر وراء هذه العقليات، ولماذا يرفض البعض التطور رغم التجارب والخبرات؟

​نعيش اليوم في سباق محموم لتحديث كل ما هو آلي، حيث يُعتبر الجمود في أي جهاز إلكتروني عيباً لا يغتفر، ويجب تزويده بآخر الإصدارات ليظل صالحاً للاستخدام. لكن هذه الضرورة الإلزامية التي نطبقها على أدواتنا، تتوقف فجأة عند حدود العقل البشري؛ الكيان الأعظم والأكثر تعقيداً. هنا تبدأ المفارقة الوجودية.

​نعمل دائماً على شراء الأجهزة التي تقبل التحديث، ولكن أتساءل: هل عقل الإنسان يتحدث أيضاً، أم أن هناك أشخاصاً عقولهم لا تقبل التحديث؟ فترى أحدهم قد بَلَغَ من العمر الستين، وما زال تصرُّفُه يَنِمُّ عن عقل إنسان في العشرينات. أين ذهبت كل هذه السنين؟ كل هذه المواقف والأحداث التي مَرَّ بها؛ ألم يأخذ عِبرة؟ أم لم يتعلَّم درساً؟ أم أن ما مَرَّ به كان كالحلم؟ عندما يستيقظ الرائي ينسى ما رأى. ولكن هيهات أن نُشبِّه عقل ودماغ خلقه الله بأداة بشرية. فمهما تطوَّرت، ما زالت تخضع للتجارب والأبحاث. لذلك كان لا بد للأجهزة من التحديث المستمر.

​إذاً، أين عقدة الأمر؟ 🤯 وأين الخلل في هذه العقليات المتحجرة؟ أين العيب؟ إن لم يكن خَلْقِيّاً، فهو إذاً مُكتَسَب، أو ماذا يا تُرى؟ للحق أقول: عجزت تحليلاتي عن إيجاد جواب ولو كان فلسفياً. ولَعَمْرِي، التعامل مع هذه العقليات إنما هو عقوبة إلهية تُعلِّمنا الصبر والحِلم.

​الخلل ليس في قابلية العقل للتحديث، فالدماغ مصمم للتغير المستمر (المرونة العصبية). الخلل يكمن في "قفل الإرادة". إن ما نراه في هؤلاء ليس "جموداً خلقياً"، بل هو "استثمار سلبي" في الماضي، يرتكز على مفاهيم ثلاثة: متلازمة "الأنا القائدة" (التي ترفض التحديث لأنها ترى في الهدم إهانة، فتختار الجمود المريح)، واقتصاد الطاقة العقلية (حيث يختار العقل الراحة المعرفية على الحكمة المتجددة)، وأخيراً وهم الاستقرار (حيث يتمسك بالقديم لأنه مألوف ويمنحه شعوراً زائفاً بالسيطرة). 🔑

التحديث العقلي ليس عملية تلقائية تأتي مع العمر؛ إنه قرار إرادي شجاع. العقليات التي لا تتحدث هي عقليات أعلنت استقالتها من عبء "التطور الواعي" في منتصف الطريق. أما عن التعامل معهم: ففي حقيقة الأمر، هو ليس عقوبة بقدر ما هو اختبار لوجود الذات الواعية؛ اختبار للوعي المُفعَّل الذي يفرض على صاحبه تعلّم الصبر والحِلم، ويُرسّخ في الوعي قيمة الأسلوب الخاص الذي اختار مسار التطور الوجداني بدلاً من الجمود. ✨

التحديث العقلي ليس مجرد عمر أو خبرة، بل قرار إرادي وشجاع. العقليات التي تصر على الجمود تمنحنا درساً بالغ الأهمية: قيمة الصبر، وضرورة التعلّم الواعي، واكتشاف الذات. بالوعي والإرادة، يمكننا دائماً أن نحرّر عقولنا من قيود الماضي لنمضي نحو فهم أعمق وحياة أكثر توازناً ومرونة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نسبية الفرح والحزن: كيف نعيش المشاعر بين المتغير والمطلق؟

الوعي غير المُفعَّل: لماذا نمتلك المعرفة ولا نفعّلها في حياتنا؟

الصمت المهيب وقوة الإفصاح العاطفي: طريقك للسلام الداخلي