مملكة المرايا المتكسرة: حين يصبح الوهم مأوى
تمرّ الأيام لتؤكد لنا حقيقةً قد لا تسرّ الكثيرين: طريقة التفكير ليست ثوباً نخلعه متى شئنا، بل هي جلدنا المعنوي ؛ تلتصق بنا، تنمو معنا، ويؤلمنا سلخها مهما بدا لنا في لحظات التجلي أنها تعيقنا. نحن في الغالب لا نغير أفكارنا كما ندّعي، بل نمارس عملية "تجميل" مستمرة لها، نعيد ترتيب قطعها المبعثرة، ونغلفها باعتقادات جديدة تخدم ما قررنا مسبقاً أن نصدقه. المأساة تبدأ حين تتحول هذه القناعات من وجهات نظر إلى "عقد خفية" ، تُرضي غرورنا وتمنحنا ذلك الوهم اللذيذ بالطمأنينة. نُقنع أنفسنا بأننا نرى بوضوح، بينما الحقيقة أننا نمارس "انتقائية بصرية" حادة؛ فنحن لا نرى العالم كما هو، بل نختار منه ما يثبت صحة خيالاتنا . هناك من يبني في داخله أبراجاً شاهقة، يرفعها فوق سحب خياله، ويسكنها بيقينٍ يحسد عليه. العجيب أنك إذا حاولت تذكيره بأن هذه الأبراج بلا أساس، وبأنها مجرد سحب عابرة، فإنه لا يواجهك بالمنطق، بل يفترسك بغضبٍ عارم. هذا الغضب ليس نابعاً من قوته، بل من رعبه الخفي ؛ خوفه من انهيار الأساس الهش الذي بنى عليه هويته بالكامل. فبمجرد أن يطول أمد الوهم، يتوقف عن كونه فكر...