الإرث: ما الذي يبقى بعد أن نغيب؟
لا يفكّر الإنسان كثيرًا في ما سيبقى منه بعد رحيله، حيث ينشغل بالحياة وتفاصيلها وصراعاتها اليومية، ويؤجّل هذا السؤال كأنه بعيد أو كأنه لا يعنيه الآن، لكن في لحظات صادقة نادرة يتسلل سؤال هادئ إلى الداخل: ماذا سيبقى مني؟ ليس الاسم، ولا عدد ما حققت، ولا حتى ما امتلكت، بل الأثر؛ ذلك الشيء غير المرئي الذي لا يُقاس لكنه يبقى. ولطالما شدّني أولئك الذين لم يمرّوا مرورًا عابرًا في هذه الحياة، الذين لم يكتفوا بأن يكونوا موجودين بل تركوا شيئًا يشبههم بعدهم، نراهم في كل مكان في الفن والرياضة والكلمة والوعي، لكن حين نقترب أكثر نلاحظ أن الطريق لا يتشابه للجميع، فهناك من حاول ولم يصل، وهناك من وصل ونجح وصار له اسم وحضور وتأثير لحظي، ثم هناك فئة نادرة لم تتوقف عند النجاح بل تجاوزته إلى ما هو أعمق: إلى الإرث. الإرث لا يُصنع بالصدفة، ولا يأتي من مجرد التكرار، ولا من ملاحقة ما يريده الناس في لحظة معينة، فالنجاح قد يولد من ظرف أو فرصة أو توقيت مناسب، أما الإرث فيحتاج إلى صدقٍ طويل، إلى استمرارية لا تبحث عن التصفيق، إلى إنسان لا يكتب ليُرضي بل ليقول ما يؤمن به حتى لو لم يُفهم فورًا، فمن يترك إرثًا...