لماذا نتسامح؟ حين يكون السلام أهم من الانتصار
ليس التسامح فعلًا أخلاقيًا كما يُقدَّم لنا دائمًا، ولا فضيلة مثالية لا يقدر عليها إلا الأقوياء. التسامح، في جوهره، فعل وعي. هو لحظة إدراك صامتة نصل فيها إلى أن حمل الغضب أثقل من الألم نفسه، وأن الاستمرار في الخصومة الداخلية لا يُنصفنا بقدر ما يستنزفنا. نحن لا نتسامح لأن الآخر يستحق، بل لأننا نحتاج إلى السلام أكثر مما نحتاج إلى الانتصار. كثيرًا ما يُساء فهم التسامح، فيُخلط بالضعف، أو يُربط بالتنازل، أو يُطالب به الضحية قبل أن يلتئم جرحها. لكن التسامح الحقيقي لا يأتي من التعالي، ولا من النسيان، ولا من تبرير الأذى. هو لا يمحو ما حدث، ولا يعيد كتابة الماضي، بل يغيّر موقعه داخلنا. نحن نتسامح عندما نفهم. عندما نرى الإنسان الآخر لا كفعل واحد، بل كسلسلة من الأسباب، والظروف، والنقص، والجهل أحيانًا. هذا الفهم لا يبرر الخطأ، لكنه يحررنا من وهم أن الألم كان شخصيًا بالكامل، أو مقصودًا دائمًا. التسامح ليس مصافحة داخلية سريعة، بل مسار. قد نبدأه بالغضب، ثم بالأسئلة، ثم بالصمت الطويل، إلى أن نصل إلى نقطة نكتشف فيها أن الكراهية لم تعد تشبهنا. وهنا فقط يصبح التسامح ممكنًا، لا لأننا نسينا، بل لأننا ن...