السفن المعيبة: تقبّل النفس والوعي بأن العيوب قد تكون رحمة

 السفن المعيبة تشبه الإنسان أكثر مما نظن. فنحن نقضي أعمارنا نحاول إصلاح ما نراه عيبًا في أنفسنا، نهرب من النقص وكأنه عار، ونسعى إلى الكمال وكأنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي. ننسى أن بعض العيوب لم تأتِ لتكسرنا، بل جاءت لتعلّمنا الوعي، ولتحمينا، ولتجعلنا أكثر فهمًا لأنفسنا والحياة.

لا تكرهوا العيب في سفنكم، فلا تدرون لولا هذا العيب هل كانت السفن ستسير أصلًا، وهل كان الطريق سيمهَّد أمامكم، أم كنتم ستبحرون بثقة مفرطة في دروبٍ تظنونها آمنة، وهي مليئة بالمخاطر ولصوص العيون إن لم يكونوا لصوص مال. أحيانًا يكون النقص في الإنسان تنبيهًا خفيًا، يوقظه من غفلته، ويجعله أكثر وعيًا بذاته وبمن حوله.

كم من عيبٍ أضنى صاحبه، حتى ضاقت به الدنيا وشعر بالنقص والحرمان وقلة القيمة، وظن أن ما فيه ضعف لا يُحتمل. لكنه لم يكن يدري أن هذا العيب ذاته قد يكون رحمة من الله، وأن الله لا يخلق نقصًا عبثًا، بل يضعه أحيانًا ليحمي الإنسان من شرٍّ أكبر، أو ليصرف عنه فقدان نعمة بأكملها. كثيرًا ما نرى العيوب على أنها عائق في الحياة، بينما تكون في حقيقتها سببًا في النجاة والتوازن النفسي.

دعوا مراكبكم تسير بعيوبها، واحمدوا الله على كل كمالٍ ونقصٍ فيها. فالحياة لا تُقاس بالاكتما​ل، ولا تُبنى على صورة مثالية للإنسان. وهذا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن تطوير ذاته، أو أن يرضى بالضعف، أو أن يتخلّى عن السعي نحو الأفضل. بل يعني أن يسعى لإصلاح ما يستطيع تغييره، ويتعلّم تقبّل ما لا يستطيع تغييره، دون قسوة على نفسه أو صراع داخلي دائم.

هناك أشياء كثيرة أرهقت قلوبنا لأننا حاولنا تغييرها طويلًا ولم ننجح، أشياء تتعلّق بالذات، أو بالعائلة، أو بالماضي، أو بالظروف. لم نفهم الحكمة من وجودها، ولم ندرك سبب استمرارها، لكننا حملناها معنا في رحلتنا الإنسانية. والحقيقة أن ليس كل شيء في هذه الدنيا يُفهم، ولا كل ألمٍ شر، ولا كل ما تمنيناه خيرًا لو تحقق. أحيانًا يكون الحرمان حماية، ويكون الألم طريقًا للوعي.

في كثير من الأحيان، تكون الشقوق في السفن هي ما يسمح بدخول الضوء. وهي ما تعلّم السفينة كيف تبحر بحذر، وكيف تصمد أمام العواصف، وكيف تصل إلى برّ الأمان رغم التعب. كذلك الإنسان، لولا ضعفه لما تعلّم، ولولا نقصه لما نضج، ولولا ألمه لما عرف معنى السلام الداخلي وتقبّل النفس.

فاطمئن… ما دام الله هو من قدّر الموج، فلن تغرق سفينة كُتبت لها النجاة، ولو بدت معيبة في أعين الآخرين. فليس كل عيب خسارة، وليس كل نقص شرًّا، وبعض العيوب تكون نعمة خفية لا نراها إلا بعد حين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نسبية الفرح والحزن: كيف نعيش المشاعر بين المتغير والمطلق؟

تأثير الكوبرا: حين ينقلب الخير إلى عاقبة مؤلمة

الوعي غير المُفعَّل: لماذا نمتلك المعرفة ولا نفعّلها في حياتنا؟