الصمت المهيب وقوة الإفصاح العاطفي: طريقك للسلام الداخلي
في هذا المقال نتأمل رحلة التعافي النفسي من الجراح الداخلية، والعلاقة العميقة بين الصمت والكلام في شفاء الإنسان. نناقش متى يكون الصمت قوة تحمي الوعي، ومتى يصبح الإفصاح العاطفي أداة تساعد العقل على الفهم والاتزان، ضمن رحلة إنسانية تبحث عن السلام الداخلي والوعي الذاتي.
إن رحلة التعافي من الجراح النفسية ليست طريقاً واحداً، بل هي توازن دقيق بين استراتيجيتين أساسيتين: قوة الكلام الواعي وقوة الصمت المهيب. القوة الحقيقية تكمن في معرفة متى نختار أيهما، لأن الفضفضة ليست ضعفاً أبداً، بل هي إعادة برمجة للدماغ لكي يتنفس
الصمت... هو ذلك الشيء الذي كنا نظنه ضعفاً أو قلة حيلة. فهل هو حبس للماضي بين متاهات الذاكرة؟ أم هو مكابرة على كلمات ربما عندما تُحكى تفتح أبواباً لطالما حاولنا إغلاقها؟
ربما الصمت هو العلاج لكل ما ذُكر. فعند الحديث، تجوب الكلمات مواقف قد مرّت، ولا يمل العقل من ربطها ببعض، فترى الموقف تلو الموقف، وكأنك تمسك بثوب خُيّط بصعوبة، ولا تلبث أن تنزع تلك العُرى واحدة تلو الأخرى بحديثك عن سبب خياطتها.
ودون أن تشعر، يذهب الخياط ويُفتح الجرح من جديد وكأنه حصل الآن، فلا أنت تستطيع خياطته مرة أخرى، ولا هو يتوقف عن الأنين. فما أبشعها من فكرة وما أوسعها من نصيحة: "فضفض عن نفسك وتكلم!" في غير وقته ، فيسمع السامع ويمضي، ويعود المتحدث لخياطة جروحه... لهذا، دعوا المجروح ينسى، ولا يتيسر النسيان إلا بالصمت والتجاهل. فذكر الشيء يزيد التركيز عليه
إن الصمت هنا ليس هروباً، بل هو إعلان الهدنة مع الجرح؛ يمنح الروح السكينة اللازمة، ويوقف سيل الصور والأصوات، ليتحول الجرح إلى ندبة شاهدة بصمت مهيب وبعد الهدوء يكون
الإفصاح العاطفي متى يكون الكلام قوة؟
ولكن، هناك قوة أخرى لا تقل أهمية، يختارها من يرى أن جرحه يحتاج إلى تفريغ ليُشفى. فـالإفصاح العاطفي ليس ضعفاً، بل هو إعادة برمجة للدماغ لكي يتنفس، وهو الخيار الذي يمنح العقل والجسد هذه الفوائد المبرمجة
التحليل بدل الإحساس عندما يتكلم الإنسان عن مشاعره، لا يكتفي عقله بالمرور عليها عاطفياً، بل يبدأ في فهمها وتحليلها؛ يتحول الألم إلى معلومة واضحة قابلة للتعامل.
أمان وتواصل وعندما يجد المتحدث أذناً صاغية يرتكن إليها، يكافئ العقل هذه الثقة بإفراز هرمون الأوكسيتوسين (هرمون الترابط)، فيزداد لديه الشعور بالأمان والسكينة.
انخفاض التوتر وبمجرد بدء الحديث عن المشاعر، يبدأ مستوى هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) في الانخفاض تدريجياً، وهذا التنفّس البيولوجي ينعكس مباشرة على صحة الجسد والروح.
إن الإدراك المؤلم بأن جرحك هو ميراثك الخاص لا يتعارض مع اختيار الأدوات المناسبة لشفائه. فأنت تختار الصمت المهيب ليتحول الجرح إلى ندبة، ومن ثم تختار قوة الإفصاح العاطفي لتساعد الدماغ على إعادة البرمجة. والجمع بين هاتين الاستراتيجيتين هو القوة ذاتها، ليمنح روحك فرصة لأن تنام بأمان بعيداً عن ضوضاء الألم أو ضوضاء الكبت
في النهاية، لا يكمن الشفاء في الصمت المطلق ولا في الكلام الدائم، بل في الوعي بتوقيت كل منهما. فالتعافي النفسي رحلة شخصية، يتعلم فيها الإنسان كيف يصغي لجرحه، ويختار الأدوات التي تمنحه سلامًا أعمق مع ذاته ومع الحياة.
تعليقات
إرسال تعليق