لماذا يصبح الإنسان أكثر هدوءًا كلما فهم أكثر؟
يظن البعض أن الهدوء علامة برود، أو انسحاب، أو حتى ضعف، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالهدوء الذي يولد من الفهم ليس فراغًا، بل امتلاء. ليس انطفاءً، بل اتزان. فكلما فهم الإنسان طبيعة الأمور، خفّ ضجيجه الداخلي، وتراجعت حاجته للدفاع، والشرح، والجدال.
الفهم لطبيعة الحياة يجعل الإنسان كالسَّبّورة؛
كل ما يُكتب عليها يأتي عليه وقت ويُمحى، ثم تُعاد الكتابة من جديد، لطلاب مختلفين، وتجارب متبدلة، وأحداث تتشابه في الوجع أو الفرح، لكنها تختلف في الأسماء والوجوه. ومع ذلك، تعود السبورة نظيفة في نهاية اليوم، لا لأنها لم تتأثر، بل لأنها تدرك أن ما كُتب عليها مؤقت.
وهذا تمامًا حال الإنسان الواعي.
ليس نقصَ إحساسٍ بالأصابع التي تخطّ عليه الكلمات، ولا قسوةً في القلب، بل وعيٌ عميق بأن ما يُقال ويُفعل مآله إلى الزوال. فالإنسان المتفهم يشعر، يتألم، ويتأثر، لكنه لا يسمح للتجربة أن تسكنه إلى الأبد أو تُعيد تعريفه كل مرة.
عندما يفهم الإنسان، يتغير تعامله مع الخسارات، مع الناس، ومع نفسه. لا يعود كل موقف معركة، ولا كل كلمة جرحًا، ولا كل اختلاف تهديدًا. يصبح أكثر هدوءًا لأنه لم يعد يطلب من العالم أن يكون عادلًا، ولا من الناس أن يكونوا كما يتمنى. لقد فهم أن لكلٍ وعيه، وحدوده، ونقائصه.
الهدوء هنا ليس استسلامًا، بل اختيار.
اختيار ألا تُهدر طاقتك فيما لا يستحق، وألا تُرهق روحك بمحاولات السيطرة على ما لا يُمكن السيطرة عليه. فكما أن السبورة لا تقوم الصفوف بدونها، يبقى الإنسان الواعي ثابتًا في مكانه، حاضرًا، نافعًا، دون أن يسمح لكل عابر أن يترك أثرًا دائمًا فيه.
وهكذا، لا يصبح الإنسان هادئًا لأنه لم يعد يشعر،
بل لأنه فهم…
والفهم، في جوهره، قوة صامتة لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت وجودها.
تعليقات
إرسال تعليق