التجدّد: لماذا لا يتغيّر الإنسان إلا عندما يتألّم؟
التجدّد ليس قفزًا خارج الذات،
ولا انقلابًا مفاجئًا على ما كنّا عليه،
بل حركة بطيئة، عميقة، وصامتة داخلنا.
نحن لا نستيقظ يومًا فنقرّر أن نكون أشخاصًا آخرين،
بل نُدفَع إلى التغيّر عندما يصبح البقاء كما نحن أكثر إيلامًا من التحوّل.
حينها فقط، يبدأ السؤال الحقيقي:
هل نحن ثابتون لأننا أقوياء… أم لأننا خائفون من المجهول؟
الثبات وهمٌ نطمئن إليه،
لكن الكائن الذي لا يتغيّر… يتآكل.
نحن نتجدّد حين نعيد تأويل الألم،
لا عندما نهرب منه.
حين نسمح للأسئلة أن تبقى مفتوحة،
ولا نستعجل إجابات جاهزة تُسكِت وعينا بدل أن توقظه.
التجدّد لا يعني خيانة النسخ السابقة منّا،
بل عدم تقديسها.
أن نعترف بأن ما أنقذنا يومًا
قد لا يصلح لحملنا اليوم.
هو فعل شجاعة فلسفي:
أن تقبل أنك لست مكتملاً،
وأن النقص ليس عيبًا… بل مساحة للنمو.
وحين نرفض العيش في المياه الراكدة،
ونبحث عن النسخة الأفضل منّا،
ندرك أن الأزمات التي مررنا بها
لم تكن عثرات عبثية،
بل منعطفات علّمتنا كيف نسير دون اصطدام،
أو على الأقل… كيف نخفف حدّة الصدمات القادمة.
قد يكون سبب الانكسار كلمة،
أو فعلًا،
أو موقفًا،
أو ظنًّا غلبنا عند التفسير.
لكن الوعي لا يمنع الألم،
إنه فقط يمنع تكراره.
ولا أشبّه الإنسان إلا بجلده.
رغم أنهما واحد،
إلا أن الفكر منفصل عن الغلاف.
الجلد يتجدّد باستمرار،
قد يقسو،
قد يرقّ،
بحسب ظروف الحياة وكيف نعامله.
فاليد القاسية تُنتج خشونة،
لا تمردًا… بل انعكاسًا.
ومع ذلك،
يتجدّد الجلد مهما كانت الظروف.
فلماذا نظل نحن أسرى أفكارٍ ورثناها،
وأساليب حياة لم تعد تناسب زمننا،
رغم تغيّر كل شيء من حولنا؟
التجدّد لا يعني التخلي عن المبادئ،
بل تحريرها من الجمود.
ولا يعني زعزعة الإيمان،
بل تعميقه بالوعي لا بالتقليد.
فمن بحث عن نفسه وجدها،
ومن وضعها في زجاجة وألقاها في الماء
لن يجدها يومًا،
وسيظل منقادًا لكل رأي،
يعيد الأخطاء نفسها
لأنه لم يتعلّم من الدروس.
التجدّد ليس أن تصبح شخصًا آخر،
بل أن تصبح أكثر صدقًا مع نفسك.
أن تغيّر دون أن تنكر،
وأن تنضج دون أن تقسو،
وأن تمضي للأمام
وأنت تعلم أن ما مضى لم يذهب سدى.
فالإنسان الذي يتجدّد
لا يعيش أكثر من حياة،
بل يعيش حياته الواحدة… بوعي.
تعليقات
إرسال تعليق