الحِكمة الفاسدة: حين تتحوّل النصيحة إلى قيد
في حياتنا اليومية نلتقط آلاف الحكم والنصائح، بعضها يرشّده وعي حقيقي، وبعضها يُخفى وراءه خوف أو اعتقاد مسبق يُقوّض التفكير الحر. الحِكمة الفاسدة ليست مجرد كلمات، بل طريقة حياة، تُقنعنا بالرضا بالمسلمات، وتُقيّد التجربة قبل أن تمنحنا أي درس. في هذا المقال، نتأمل كيف يمكن للإنسان أن يميز بين ما ينضجه وبين ما يخدّره، مستفيدًا من دروس الطبيعة والحياة، بعيدًا عن التقليد الأعمى والموروثات الفاسدة.
ليست كل حِكمة صادقة، وليست كل جملة متداولة دليل وعي. بعض ما نُسميه "حكمة الحياة" ليس سوى خوف متوارث، أُعيد تغليفه بلغة عقلانية لتبدو نصيحة صائبة. هناك حِكمة لا تُنضج الإنسان، بل تُروّضه، تُقنعه أن الصمت دائمًا فضيلة، وأن التكيّف ذكاء، وأن القبول بأي واقع هو قمة النضج. وهنا تبدأ الحِكمة في الفساد.
الحِكمة الفاسدة لا تأتي صارخة، بل ناعمة، مطمئنة، تُقال بنبرة العارفين، وتنتقل من جيل إلى جيل دون مساءلة. إنها الجمل التي تُقنعك أن تحجيم أحلامك أكثر أمانًا من مطاردتها، وأن كبت الأسئلة أفضل من فتح أبواب قد تُقلق استقرارك. تُقال لك: "كن واقعيًا"، وغالبًا ما يُقصد: تخلَّ عمّا تريد، ويقال: "الحياة هكذا"، وكأن الواقع قانون ثابت لا يُعاد النظر فيه. الحِكمة الفاسدة لا تمنعك من العيش فقط، بل تُقنعك أنك عشت بما يكفي وأنت لم تبدأ بعد. والمشكلة الأعمق أنها تُكافئ الاستسلام وتمنح الخوف لقب "تعقل".
والطبيعة، بأدواتها، تعلمنا الحِكمة الحقيقية. ترى الشجرة الممتدة جذورها الراسخة مكانها تميل أحيانًا مع رياح عاصفة حفاظًا على أغصانها من الانكسار. وترى غزالًا شاردًا سريعًا يطوي الأرض من تحته مسابِقًا الزمن لينجو من افتراس وهلاك. وترى ضبعًا يترصد بالساعات ليفترس فرسيته بصير دون كلل أو ملل. وماذا نحن البشر؟ نبحث عن أقوال وأفعال جاهزة، قد تكون صالحة وقد تكون فاسدة، لنطوّق بها أفهامنا وعقولنا. طبعًا، هذا الكلام لا يمس مبادئ الدين أو الفضيلة، إنما يلمس طريقة حياة وطرق تعامل.
الوعي الحقيقي لا يطالبك بأن تتكيّف مع كل شيء، بل أن تفهم متى تتكيّف، ومتى تعترض، ومتى تنسحب، ومتى تغيّر. أما الحِكمة الفاسدة، فهي لا تختصر بالانحناء، بل بالأفكار والاعتقادات المسبقة عن أي شيء أو أي علاقة، تلك التي تحاصر العقل وتحدّ من الفهم قبل أن يمنحك التجربة أي درس. هي تجعل الإنسان أسيرًا لموروثاته، بدل أن يختبر الحياة فعليًا.
ليست الحِكمة أن تتوقف عن الحلم، ولا أن تُسكت أسئلتك، ولا أن تقبل كل ما يُفرض عليك باسم التجربة. الحِكمة الحقيقية هي الشجاعة لتميّز بين ما ينضجك وما يخدّرك. ليس كل ما يُقال بعقلانية حكمة، وليس كل هدوء سلامًا، ولا كل تكيّف نجاة. بعض الحِكم تحتاج أن تُكسر كي يبدأ الإنسان في العيش فعلًا.
الحكمة الحقيقية ليست ما نردده بلا تفكير، ولا ما يفرض علينا باسم التجربة أو العقلانية. هي الشجاعة في مواجهة الأفكار المسبقة والاعتقادات الجامدة، وتجربة الحياة بصراحة ووعي. بعض الحِكم تحتاج أن تُكسر كي يبدأ الإنسان في العيش فعلًا، وأن يكتشف قدرته على التمييز بين ما ينضجه وما يحجمه. فالوعي هو الحرية، والتجربة هي الطريق، والحياة لا تُعاش إلا بالاختبار الفعلي، بعيدًا عن الأقوال الجاهزة
تعليقات
إرسال تعليق