حين تُكَبَّل الموهبة: لماذا تصنع الفرصة أصحابها؟
يعيش الإنسان في رحلة بحث دائمة عن ذاته بين ما أودعه الله فيه من مواهب وقدرات. السعادة الحقيقية لا تكمن فقط في معرفة ما نحب، بل في القدرة على ممارسته دون خوف أو كبت. فحين تُكبَّل الموهبة، يتحول الشغف إلى احتراق داخلي، وتغدو الروح ساحة صراع بين ما نريد أن نكونه وما يُسمح لنا أن نكونه.
يعيش كل منا يبحث عن نفسه بين المواهب والإمكانيات التي أودعها الله فيه. والسعيد هو من يعرف بوضوح ما الذي يسعده حقاً، والأسعد حظاً من يستطيع أن يعمل ما يتقن وأن يمارس ما يحب بغير خوف أو قيود.
فأكبر عقوبة يمكن أن تقع على إنسان هي أن تُكَبَّلَ يداهُ عما يحب أن يعمل كأن يُحرم الرسام من ريشته، أو يُكسر قلم كاتب يحمل في صدره عوالم كاملة، أو تُكم أفواه الشعراء الذين يحملون صوت الوجدان الشاعر بهم وبغيرهم، فكأنك بهذا الفعل تسد فوهة بركان غاضب مليء بالصهر والحمم الفكرية، ليعود عليه ما فيه من طاقة كامنة، فيغدو رماداً بارداً لا روح فيه. إن الإحساس بالاحتراق الداخلي وعدم القدرة على التعبير هو أشد ألم يمكن أن يعيشه صاحب وعي عميق.
إذن، أين هي الفرصة التي تضيع بين أيدينا؟ وهل فعلاً ممكن أن نجدها يوماً؟ ربما، ولكن ليس كل موهوب ومشتاق قادر على عمل ما يتقنه؛ فالأيام لا تعطينا ما نريد بسهولة. نرى الشغف يُحتجز خلف قضبان الظروف، والعمل ينتظر منصة تليق بحجم الوعي الهائل الذي يحمله الكاتب في صدره، فتستمر حياة الإنسان في دائرة البحث الممل.
لكن بالمقابل، هناك من الفرصة تبحث عنه وتطرق بابه بعناد، فللحظوظ في هذا المكان متسع لأصحاب الأداء المختلف.
الفرصة تبحث عن الشخص الذي رفض أن يعود بركانه رماداً، بل ثبَّت فوهته ليثور بشكل دائم. هذا الثبات غير المشروط في العطاء والاجتهاد هو ما يعطي الأمل بـ نفاذ شرارة، ربما تكون البداية التي يبحث عنها أحدنا ليجد نفسه فيما يحب. وإن أُوصدت الأبواب وأُغلقت الطرق، فلا عزاء إلا محاولات تشفع لنفسه الثائرة التي لم تمل ولم تستكن.
إن الفرصة لا تلتفت إلى الموهبة المدفونة في صدرك، بل إلى تلك الموهبة التي تتجلى بأسلوب نادر ومختلف لا يمكن تقليده. هذا التجلي هو الذي يرفع من قيمة عملك ويحصنه ضد الرتابة. هذا الثبات ما يجعل الشعور يتفوق على كل خيبة.
إن مفتاح وجودنا الروحي ليس في البحث المضني عن منصة، بل في صناعة المنصة من قوة وجودنا ذاته. لا تنتظر أن تعطيك الأيام حقك في التعبير والعمل؛ بل اجعل ندرة محتواك وقوة أدائك هي التي تطالب الأيام بالفرصة التي تستحقها. عليك أن تحول الصمت إلى سلطة فكرية، والاحتراق الداخلي إلى نور مرئي لا يمكن تجاهله
الفرصة لا تُمنح لمن ينتظرها، بل لمن يفرض وجوده بثبات وعطاء لا ينطفئ. ليست المشكلة في غياب المنصة، بل في انتظارها. حين نصنع منصتنا من قوة حضورنا وندرة أدائنا، تصبح الموهبة نورًا مرئيًا لا يمكن تجاهله. عندها فقط، تتحول القيود إلى دافع، والاحتراق إلى إشعاع، ويجد الإنسان نفسه حيث يجب أن يكون.
تعليقات
إرسال تعليق