بين الرمل والبحر: التفريغ العاطفي وفن العودة إلى الهدوء بعد الصدمات

 

عند خط التماس بين البحر والرمل، حيث يلتقي الثبات الظاهري بالعاصفة المفاجئة، تتجلى صورة دقيقة لحياة الإنسان النفسية. هذا المقال يتأمل العلاقة بين الصدمات، والهشاشة، والتفريغ العاطفي، ويطرح سؤالًا عميقًا: هل نُخلق لنتحمل الموج بصمت، أم لنتعلم كيف نفرغ، نهدأ، ثم نعود للحياة بسلام؟

​على الشواطئ، حيث الرمال الذهبية تتلاقى مع موجات البحر الهادئة الصافية الزرقاء، بهذا الخط، خط التماس الوجودي، نجد امتزاجاً عجيباً وجمالاً لا يضاهيه جمال. تبقى ذرات الرمل ساكنة، حالها حال موجات البحر، إلى أن تهيج دونما إنذار كإعصار، وتتدفق ذرات الماء مصطدمة برمال ضعيفة هشة القوام.

​فبعضها يستسلم ليغوص بين ذرات الماء، منصاعاً لأوامره. والبعض الآخر يقرر الهروب، فيلتصق ببعضه، معلناً تحدي البقاء على الشاطئ. فيتغير لونه ويذهب منه البريق، بل ويصبح ملتصقاً بالأرض. ولكن رغم مقاومته، لا بد من حفر عميقة، محاولة منه بالنجاة بنفسه.

​فلا يمكن بعد كل هذه الصدمات أن ينجو بنفسه دون أثر، دون جروح وخدوش، دون علامات لا يمحوها الوقت. غير أن الرمل، على هشاشته الظاهرة، هو من الكائنات التي تتصالح مع موجات البحر بسرعة بمجرد هدوئها ورضائها، وكأن شيئاً لم يكن.

​هل هذه الرمال حقيقة المعنى؟ أم أنها فعلاً تُخبئ بين طياتها جروح الماضي؟

​لعمري، كلما فكرت: ما هو سبب هشاشتها؟ لم أجد تفسيراً إلا أنها آثار الصدمات التي تعودتها والتي لم ولن تنتهي، والتي جعلت منها موجودة وغير موجودة. تملأ المكان وبنفس الوقت نسمة هواء كفيلة بجعلها مطية تسوقها كيف تشاء. ما كَنه هذه الرملة؟ وما وظيفتها في الحياة إذاً؟ ربما ملء المكان فقط...

​ربما لا يكون دورها ملىء المكان، بل تعليمنا فن التفريغ العاطفي.

​الرمل يتقبل الموجة، يسمح لها بأخذ جزء منه في عملية "تفريغ الإعصار"، ثم يعود ليتصالح مع السكون فوراً. إنه لا يحمل الضغينة، ولا يرهن سلام حاضره بجنون ماضيه. أما الإنسان، فيبقى أسيراً لتلك الـ "حفر العميقة" في روحه، يرفض أن يتقبل أن الهشاشة هي طبيعته بعد كل صدمة. التفريغ العاطفي للإنسان ليس مجرد تفريغ للطاقة السلبية؛ بل هو تقبل حتمي لواقع أن جزءاً منك سيتغير، سيهرب، وسيُخدش تحت وطأة الموجة.

​الفرق الجوهري بيننا وبين الرمل هو أننا نُدمن اليقين بالثبات (كالشاطئ قبل الإعصار)، بينما الرمل يُدمن يقين التحول والتقبل. إنه يعرف أن دورته لا تكتمل إلا بالغوص والعودة والهدوء. فمتى نتعلم من الرمال أننا لا نُظلم حين نُكسر، بل نُظلم حين نرفض العودة للهدوء والتقبل بعد انتهاء العاصفة؟

​فما أجمل أن تكون البحر، لتفرغ ما بداخلك من ضغوط وصدمات، ثم تتصالح مع من حولك، وهو ليس سيئاً وسقيماً، بل بمكنوناته الخير كله.

​وبين الرمل الهش، المُتلقي للصدمات، الظان بنفسه الخيرية والقيمة، والحقيقة التي يُكابر على نفسه بها: أنه بذلك هدر قيمته بعدم التعلم من الدروس والذوبان تحت إرادة الغير.

​التفريغ العاطفي الحقيقي هو أن تكون كالبحر، تعطي العاصفة حقها لتمر، ثم تعود بسلامك لتعطي الحياة، بدلاً من أن تبقى كـ "الرمل" تستقبل الصدمات وتُخفي هشاشتها خلف ادعاء القيمة.

التفريغ العاطفي الحقيقي لا يعني الانهيار ولا الذوبان تحت إرادة الآخرين، بل يعني الاعتراف بالتحول بعد الصدمة، والسماح للعاصفة أن تمر دون أن تسكن فينا. حين نتعلم من البحر كيف نفرغ ثم نهدأ، نكفّ عن هدر قيمتنا في مقاومة لا طائل منها، ونبدأ في استعادة سلامنا الداخلي، لا كإنكار للهشاشة، بل كتعايش واعٍ معها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نسبية الفرح والحزن: كيف نعيش المشاعر بين المتغير والمطلق؟

تأثير الكوبرا: حين ينقلب الخير إلى عاقبة مؤلمة

الوعي غير المُفعَّل: لماذا نمتلك المعرفة ولا نفعّلها في حياتنا؟