السجين الحر: كيف تحرّر روحك من قيود الأفكار الموروثة وتعيش وعيك الحقيقي
عندما تُحاصر الأفكار الإنسان كما تُحبس الطيور بين قضبان القفص، تبدأ رحلة البحث عن الحرية الحقيقية. هذا القيد الداخلي هو البارادايم الذي يحدد كيف نعيش ونتنفس ونسبح روحياً، دون أن نملك التحكم الكامل في اختياراتنا. فما بين القيود المكتسبة والاختيار الإلهي، تكمن رحلة السجين الحر الذي يسعى لتحرير مضغة قلبه ووعي نفسه.
"عندما جف حبر القلم، ثارت الأوراق وبات من الصعب اللقاء."
هكذا تبدأ أزمة الوجود الحقيقية. نَظلُّ أسَارَى أفكار تربت معنا كمسام الجلد، ونظلُّ تحت ظل قيودها نحاول منها الهروب كعصفور يتنقل بين قضبان قفصه. فما يلبث أن يتحرك من قضيب لقضيب باحثاً عن حريته المنشودة؛ عن يوم يحلق في سماء زرقاء صافية، وتلفحه أشعة الشمس الدافئة، وتداعب ريشه نسمات عليلة. وهو يسبح في ذلك الفضاء يسبح بحمد ربه مع كل نبضة قلب، فقد خُلِقَ التسبيح معه كالريش في جسده اختيار الله ومهام القلوب
فهل هم خير منا أم نحن خير منهم؟ من خير من؟ سألت نفسي هذا السؤال ووجدت أنه لا فرق كبير بيننا وبينهم. فيظن الظان أننا عندما نُسبح ونُصلي إنما قمنا بذلك اختيارًا. والله ما اختارنا لذلك أبداً، إنما هو اختيار الله لنا. فكما اصطفى الله الأنبياء والرسل، قد اصطفى بعض القلوب ونقاها من دَرَنها وملأها بنوره ومحبته، فأصبحت كالكواكب الأرضية التي تزين أجساداً لايعلم بها الا الله
والعجيب في الأمر عندما يُدلج الليل، تبحث أعيننا عن نجمات براقة نُسامرها وتُسامرنا، ونعتبرها أجمل شيء في الوجود. ونحن لا ندري أن ملائكة السماء أيضاً تبحث عن نجمات براقة في ظلام الليالي. للهِ دَرُّ قائمي الليل الذين تبحث عنهم الملائكة فتدعو لهم وتفتقد غائبهم. نعم، هذه الملائكة التي تُلهم التسبيح كما نُلهم النفس، تبحث عن قلب صادق حبيس جسده الترابي، وحبيس أفكاره المكتسبة والموروثة، وحبيس شهوات حيوانية، وحبيس دنيا فانية، وحبيس نفس يلفحها الهوى كما تلفح النار جليسها.
فمتى نتحرر من هذا كله؟ متى ننتصر لتلك المضغة؟ متى؟ متى سنظل نضرب في القضبان التي حولنا؟ آه من تلك القضبان، وآه من كل شيء محيط بنا.
هذا هو "البارادايم"؛ أن تكون حبيس الفكرة، لا تَدَعُها، بل هي من تستدعي وعيكَ لتجعلكَ مجرد سطرٍ من أسطرها، دليلاً مادياً يُعرف بها. فيُقال: "فلان يتصف بـ..." و "لا يتصف بـ...". فبِتنا لا نُصنّف الإنسان، بل نصفه كفكرة... كاسم... كلقب.
وأين هو من ذلك كله؟ هو ذلك المُطبِّق الفعلي، السجين الحر. هو القيمة الإنسانية التي تلاشت تحت ثقل التوقعات الموروثة. هو تلك الومضة الأزلية التي تنتظر أن تكسر قيود القفص الذهني، لتبدأ رحلة التسبيح الأبدي التي خُلِقَت من أجلها
في النهاية، السجين الحر ليس من يُحرر نفسه من القيود الظاهرية فقط، بل من يدرك البارادايم ويختار أن يحيا رغم قيود الأفكار الموروثة، ليصبح وعيه نوراً وسط الظلام، ورحلته عبادة صادقة تتجاوز حدود الجسد والفكرة، لتسبيح روحه كما خُلق له منذ الأزل.
تعليقات
إرسال تعليق