عدم الرضا المُغلَّف بالطموح: احتراق القيمة الذاتية

 


​عدم الرضا المغلف بالطموح... قد لا يستطيع أحدهم التفرقة بينهما، فكلما تاقت نفسه لشيء وصَعُب عليه تحديده، وجد ضائقة في صدره وظن أن طموحه لم يتحقق، مُوصِلاً نفسه لمراحل من الكَبَد والعناء.

​لكن شتَّان بين عدم الرضا والطموح؛ فالطموح أن تسعى، والنتيجة أن ترضى مهما كانت. فإن كان مبرر عدم الرضا الدائم أنني طموح، فلن يصل الإنسان أبدًا إلى شعور الأمان في حياته، وسيبقى يعيش في دائرة مفرغة لا توصله لبرّ الأمان.

​وسيكون كل ألم صغير كقش نستخف به، فإذا تجمَّع، صار كالتلال؛ نتوه بينها ونضيع، ولا نجد أنفسنا. فهل يملأ القش النفوس؟ نعم يملؤها إن سمحنا له، وأغلبنا يسمح بذلك، فالاستهانة بالشيء هي ما توصلنا لهذا المصير.

​هنا نكون أمام خيارين: إما أن نترك القش يرهق أنفسنا، أو نحرقه. ولنفعل ذلك، لن تنجو أنفسنا من آثار الحروق؛ فستكون موجعة جداً، لكن بعدها يفرغ المكان من كل ما هو مؤذٍ. وعندما تلاحظ فراغ نفسها وهدوءها، ستشكر القدر على هذا القرار؛ فلولاه ما كانت شجاعتها لتسعفها لِتتخذه. إن هذا التطهير الذاتي هو بداية الطموح الحقيقي؛ طموح النفس للارتقاء بوعي، لا طموح التغطية على خواء داخلي.

​ولكن أحياناً لا يكون الخيار بأيدينا؛ فربما نفس قد امتلأت والقش قد فاض، فهو من يشعل نفسه بنفسه دون إذن منها، لأنه لم يعد يجد متسعاً عند هذا الإنسان. فتكون هنا عملية الاحتراق قسرية، ولكن هذه المرة هو الاحتراق البطيء الذي تكون جروحه على قَدَره، فيتحول الجسد إلى أماكن مختلفة من الآلام لا يعرف مصدرها ولا كيف يتخلص منها. وهنا تُوقع النفس بمأزق كبير، فلو علم الإنسان قيمة نفسه وقيمة وجوده، لما أوصلها إلى هنا لأجل أي شيء.

​"وتحسب نفسك جِرمٌ صغير، وفيك ينطوي العالم الأكبر"... مقولة لا أجد أكثر منها تعبيراً عن قيمة الإنسان في عين نفسه، وهو الأهم.

​فأن تكون مهماً لدى نفسك، هذا الشعور الداخلي هو ما يمنحك قيمة في أعين الآخرين. فأنتَ غالٍ على ربك الذي خلقك أولاً، ثم على من يحبك ويحتاجك، وخاصة ولدك الذي يمكن أن ينسى كل شيء إلا أنت.

​فلا تجعل الأيام تعبث بك لتشعر يوماً أنك كورقة خفيفة لا قيمة لها. ربما وجودك غير مهم لملايين الأشخاص في هذا العالم، لكن ربَّ أحدهم ينتظر رؤيتك ليبتسم. فَعِش، وأعطِ نفسك قيمتها من أجله.

​لكي تستطيع أن تحيا، يجب أن تحب نفسك التي بين جنبيك، وأن تتخطى كل ما يؤذيك ويقلل من ذاتك. فما أجمل أن يجد المرء نفسه، ويشعر بدفء المحبة الحقيقي ممن حوله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نسبيةُ الوجود: شروقٌ يَبني وشروقٌ يَهدم

تأثير الكوبرا.. حين تُصبح الحلول جرحًا في ناصية القلب

الوعي غير المُفعَّل: صراع الإدراك وفخ العادة