الهروب من الذات: كيف يتحول البرد القارس داخلنا إلى دفء السلام الداخلي

 كثيرًا ما نسعى جميعًا وراء مساحة راحة وأمان داخلي، لكن الهروب من ألم النفس يجعل البحث عن السلام عبثًا. هذا المقال يستكشف كيف يتحول الألم الداخلي إلى رفيق صامت، ولماذا التوقف عن الركض والهروب من الذات هو الخطوة الأولى نحو التقبل والسلام الداخلي.

​كلنا يبحث لنفسه عن مساحة راحة ننعم بها بأمان الشعور ودفء الأيام. ولكن كيف له ذلك إن كان هناك برد قارس يسكن بين جنبيه؟ فيهرب من مكان لآخر، ومن فكرة إلى فكرة، ومن صفحة في كتاب الحياة إلى صفحة، ورغم ذلك لا تهدأ روحه. فالحقيقة هو يهرب من ألم بداخله، ولكنه يدرك أن كل وجهة جديدة هي مجرد قناع مؤقت على وجه حقيقته.
​إن أصعب شعور هو الهروب من ألم في النفس صعب المراس. فكيف لشجرة أن تهرب من ظلها؟ أو لغيمة أن تهرب من مطرها؟ أو لضباب أن يهرب من فوضويته؟ هذه استعارة حية لـ "الأنا" التي تحاول الفرار من "الذات".
​وكذاك الألم الذي يلحق بالنفس من مجتمع قاسٍ، أو عائلة غير متفهمة، أو كلمة جارحة، أو حتى نظرة عابرة، يتحول لذلك الخيال المقيت الذي لا يغادر صاحبه أينما ذهب. إنه ليس شيئًا ماديًا يمكن تركه خلف الجدران، بل هو مرآة مشروخة تعكس تاريخ الجرح في كل لحظة حاضرة.

الحقيقة القاسية هي أن الهروب المستمر لا يزيل الألم، بل يمنحه قوة أكبر ليصبح رفيقًا صامتًا يسافر معنا في كل محطة. فكلما فررنا، تأكدنا من أننا ضعفاء أمامه، ونبني حوله جدارًا من الإنكار يجعله أكثر عمقًا وتعقيدًا.
السبيل الحقيقي لذلك يكمن في قلب المعاناة ذاتها
الهدوء لا يأتي بالفرار، بل بالجلوس مع هذا البرد القارس وتسميته. ما هو هذا الألم بالضبط؟ هل هو شعور بالذنب؟ بالخيبة؟ بالوحدة؟ إن مجرد الاعتراف الصادق بوجوده هو الخطوة الأولى لانتزاع سيطرته.
• ​التوقف عن رؤية الظل كعدو الشجرة لا تحارب ظلها، بل تتقبله كجزء لا يتجزأ من وجودها تحت الشمس. كذلك الألم، قد يكون رسالة وليس عقاب؛ رسالة تخبرنا أن حدودًا قد انتهكت، أو أن رغبة عميقة لم تُشبع، أو أننا بحاجة إلى تغيير المسار.
• ​إيجاد مرساة الوعي بدلاً من الهروب من فكرة إلى فكرة، نحتاج إلى نقطة ارتكاز ثابتة. هذه النقطة هي "الآن"، اللحظة الحاضرة، حيث يمكننا أن نتنفس بهدوء ونركز على ما نستطيع فعله الآن، بدلاً من ضجيج الماضي أو قلق المستقبل.
عندما يتوقف الهارب عن الركض، يكتشف أن الباب لم يكن مغلقًا أبدًا، وأن السلام لا يحتاج إلى البحث عنه في الأماكن البعيدة، بل في أعماق النفس التي كان يخشاها. عندها فقط، يتحول البرد القارس إلى دفء تقبّل الذات.

الحقيقة القاسية هي أن الهروب المستمر لا يخفف الألم، بل يمنحه قوة أكبر. السلام الداخلي يبدأ بالاعتراف الصادق بالألم، وقبول الظل كجزء من وجودنا، وإيجاد نقطة ارتكاز ثابتة في اللحظة الحاضرة. عندها فقط يتحول البرد القارس داخلنا إلى دفء تقبّل الذات، ويصبح الهروب غير ضروري، ليمنحنا وعيًا حقيقيًا بالسلام الداخلي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نسبية الفرح والحزن: كيف نعيش المشاعر بين المتغير والمطلق؟

تأثير الكوبرا: حين ينقلب الخير إلى عاقبة مؤلمة

الوعي غير المُفعَّل: لماذا نمتلك المعرفة ولا نفعّلها في حياتنا؟