حين نكتشف أن النور يسكننا

كثيرًا ما نمضي في عتمة الأسئلة، نبحث عن علامة، عن إشارة، عن نور يدلّنا على الطريق. نرفع أبصارنا إلى الخارج، نترقب خلاصًا قادمًا من بعيد، ونغفل عن حقيقة بسيطة وعميقة: أن ما نبحث عنه قد يكون أقرب إلينا مما نتصور.
وكمقلتين لامعتين تدوران في الظلام، تبحثان عن شعاع ينير لهما الطريق، لا تعلمان أنهما هما الشعاع، وهما النور، وهما النقطة التي يبدأ منها كل شيء. فالنور ليس شيئًا يأتي من الخارج، ولا هدية تُنتظر من العالم، بل هو كامن في الأعماق؛ وميض الفطرة الأولى، ولهيب العزيمة، وبريق الإيمان بأن كل خطوة تُخطى، وكل محاولة تُبذل، هي بذاتها ضوء يشق العتمة.
نظل أحيانًا نُطيل الوقوف، نؤجل السير بحجة غياب الوضوح، غير مدركين أن الوضوح لا يسبق الحركة، بل يولد منها. فكل خطوة، مهما بدت متعثرة، تحمل في داخلها شعاعًا صغيرًا يكفي ليكشف ما يليها. وهكذا، لا يكون النور سابقًا للطريق، بل رفيقًا له.
فلا تنتظر أن يأتي النور من بعيد، لأنه قد انبعث من داخلك منذ زمن، يدفعك نحو الهدف، ويدلّك على الوجهة. كل ما عليك هو أن تغمض العين عن الضجيج الخارجي، وتفتح القلب بصدق، لتدرك أن النور الذي طالما بحثت عنه لم يكن غائبًا، بل كان صامتًا في داخلك، ينتظر لحظة الاعتراف به.
وحين يحدث ذلك، يتغير معنى السير كله؛ فلا يعود الطريق مخيفًا، ولا الظلام عائقًا، لأن النور الحقيقي لا يُرى بالعين، بل يُحَسّ بالقلب. عندها فقط، ندرك أن الإيمان بالذات هو أعظم أشكال الهداية، وأننا لم نكن يومًا نبحث عن الضوء… بل كنا نتعلم كيف نراه فينا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نسبية الفرح والحزن: كيف نعيش المشاعر بين المتغير والمطلق؟

تأثير الكوبرا: حين ينقلب الخير إلى عاقبة مؤلمة

الوعي غير المُفعَّل: لماذا نمتلك المعرفة ولا نفعّلها في حياتنا؟