عندما لا يستجيب القلم
ليست كل الكلمات تُكتب، فبعض الحروف تختار الصمت، لا لأنها غائبة، بل لأنها أعمق من أن تُقال. هناك لحظات يقف فيها القلم مترددًا، لا لأنه فقد قدرته، بل لأن ما نحمله في الداخل صار أثقل مما يحتمل الحرف.
القلم لا يتعثّر لأنه ضعيف، بل لأن المعنى حين يكبر، يصبح عبئًا على السطر، ويحتاج إلى أكثر من مجرد كلمات ليُقال. نحن لا نكتب دائمًا حين نريد، بل حين نكون قادرين على مواجهة ما نشعر به بصدق، دون اختصار يظلم التجربة.
حين ينضج الوعي، لا تعود الكتابة اندفاعًا عابرًا، بل تتحوّل إلى مسؤولية. نصير أكثر حرصًا، وأكثر صمتًا، لأننا ندرك أن بعض المشاعر لا تُكتب بسهولة، وأن بعض الحقائق لا تُقال دون أن تفقد شيئًا من عمقها.
لم يعد القلم يكتب بسهولة، لا لأنه تغيّر، بل لأننا لم نعد نشعر ببساطة كما كنا. تراكمت فينا التجارب، وتكاثفت الأسئلة، وأصبح لكل كلمة وزن، ولكل سطر أثر، وكأننا نحاول أن نضع داخل الحرف ما لا يتّسع له.
الكتابة ليست سباقًا، ولا إثبات حضور، بل لحظة صدق تأتي حين نكون مستعدين لها. أحيانًا لا يخوننا القلم، بل نثقل عليه بما نحمله في داخلنا، فنطلب منه أن يختصر ما لا يُختصر، وأن يعبّر عن ما لم نفهمه بعد.
نخاف أن نكتب، لا لأننا لا نعرف، بل لأننا أصبحنا نعرف أكثر مما يجب. نعرف ثقل التجربة، ونعرف أن بعض الحروف إن خرجت، لن تعود كما كانت. لذلك نتوقف، لا عجزًا، بل احترامًا لمعنى لم يكتمل بعد.
القلم ينتظرنا، لا لنكتب فقط، بل لنفهم أولًا. ينتظر أن نرتّب الفوضى داخلنا، أن نهدأ، أن نخفّف هذا الحمل عن الحرف، حتى لا يكون ما نكتبه مجرد محاولة للهروب، بل انعكاسًا حقيقيًا لما فينا.
أقسى ما في الكتابة، أن تختصر شعورًا لا يُختصر. أن تحاول أن تقول الكثير، في مساحة ضيقة، وأن تخشى أن تظلم المعنى حين تحاصره بالكلمات. فليس كل ما نشعر به يُكتب، لكن كل ما يُكتب، كان شعورًا يومًا ما.
وحين يتعثّر القلم، لا تعاتبه. توقّف قليلًا، وأنصت لما فيك، واسأل نفسك بهدوء: هل الحرف ثقيل… أم القلب؟
فبعض الصمت ليس عجزًا، بل امتلاء… واستعداد خفي لقولٍ أصدق.
تعليقات
إرسال تعليق