مملكة المرايا المتكسرة: حين يصبح الوهم مأوى
تمرّ الأيام لتؤكد لنا حقيقةً قد لا تسرّ الكثيرين: طريقة التفكير ليست ثوباً نخلعه متى شئنا، بل هي جلدنا المعنوي؛ تلتصق بنا، تنمو معنا، ويؤلمنا سلخها مهما بدا لنا في لحظات التجلي أنها تعيقنا. نحن في الغالب لا نغير أفكارنا كما ندّعي، بل نمارس عملية "تجميل" مستمرة لها، نعيد ترتيب قطعها المبعثرة، ونغلفها باعتقادات جديدة تخدم ما قررنا مسبقاً أن نصدقه.
المأساة تبدأ حين تتحول هذه القناعات من وجهات نظر إلى "عقد خفية"، تُرضي غرورنا وتمنحنا ذلك الوهم اللذيذ بالطمأنينة. نُقنع أنفسنا بأننا نرى بوضوح، بينما الحقيقة أننا نمارس "انتقائية بصرية" حادة؛ فنحن لا نرى العالم كما هو، بل نختار منه ما يثبت صحة خيالاتنا .
هناك من يبني في داخله أبراجاً شاهقة، يرفعها فوق سحب خياله، ويسكنها بيقينٍ يحسد عليه. العجيب أنك إذا حاولت تذكيره بأن هذه الأبراج بلا أساس، وبأنها مجرد سحب عابرة، فإنه لا يواجهك بالمنطق، بل يفترسك بغضبٍ عارم. هذا الغضب ليس نابعاً من قوته، بل من رعبه الخفي؛ خوفه من انهيار الأساس الهش الذي بنى عليه هويته بالكامل. فبمجرد أن يطول أمد الوهم، يتوقف عن كونه فكرة عابرة ليصبح "مأوى" لا يملك الإنسان سواه
وأسوأ ما في هذا الانفصال عن الواقع، أن هذا الإنسان لا يكتفي بالسكن في حلمه، بل يُعيّن نفسه مَلِكاً مطلقاً في تلك المملكة الخيالية. هناك، فوق عرشه المصنوع من سراب، يبدأ بممارسة سلطة زائفة؛ فيصدر أحكامه القاسية على من حوله، ويُصنف البشر وفق قوانينه الخاصة التي لا توجد إلا في رأسه.
يتحول إلى قاضٍ وجلاد، يمنح صكوك الغفران لمن يغذي وهمه، وينفي من مملكته كل من يحاول استحضار صوت العقل. هو لا يرى الناس كبشر حقيقيين، بل كـ "دمى" في مسرحيته الخاصة، يجب أن يؤدوا الأدوار التي رسمها لهم، فإذا خرج أحدهم عن النص، غضب الملك الموهوم واعتبر ذلك خيانة لواقعه المتخيل.
المشكلة الحقيقية ليست في الحلم، بل في "الانفصال". فالنائم حين يستيقظ يدرك فوراً حدود رؤياه، أما هذا الساكن في برجه العاجي، فلا يريد الاستيقاظ. يظل يضيف التفاصيل، ويشيد القلاع، ويحصن نفسه بأسوار من الإنكار تحميه من رياح الحقيقة.
وهنا يبرز السؤال الوجودي المرير: هل يستطيع العودة إن هو أدرك الحقيقة؟ إن بعض الأوهام تُعتنق لأنها "مريحة" لا لأنها "منطقية"، والهروب من الواقع لا يكون دائماً لقسوته، بل لأننا لا نملك الشجاعة لرؤية حجمنا الحقيقي فيه.
إن أقصى درجات الضياع ليست في الجهل، بل في أن يعيش الإنسان عمره كاملاً داخل قصة لم تحدث، يدافع عن حدود مملكة لم توجد، ويقضي حياته مَلِكاً على عرشٍ من غبار، ليكتشف في النهاية أنه لم يعش أبداً، بل كان مجرد صدى في غرفة خالية.
تعليقات
إرسال تعليق