المشاركات

التجدّد: لماذا لا يتغيّر الإنسان إلا عندما يتألّم؟

 التجدّد ليس قفزًا خارج الذات، ولا انقلابًا مفاجئًا على ما كنّا عليه، بل حركة بطيئة، عميقة، وصامتة داخلنا. نحن لا نستيقظ يومًا فنقرّر أن نكون أشخاصًا آخرين، بل نُدفَع إلى التغيّر عندما يصبح البقاء كما نحن أكثر إيلامًا من التحوّل. حينها فقط، يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن ثابتون لأننا أقوياء… أم لأننا خائفون من المجهول؟ الثبات وهمٌ نطمئن إليه، لكن الكائن الذي لا يتغيّر… يتآكل. نحن نتجدّد حين نعيد تأويل الألم، لا عندما نهرب منه. حين نسمح للأسئلة أن تبقى مفتوحة، ولا نستعجل إجابات جاهزة تُسكِت وعينا بدل أن توقظه. التجدّد لا يعني خيانة النسخ السابقة منّا، بل عدم تقديسها. أن نعترف بأن ما أنقذنا يومًا قد لا يصلح لحملنا اليوم. هو فعل شجاعة فلسفي: أن تقبل أنك لست مكتملاً، وأن النقص ليس عيبًا… بل مساحة للنمو. وحين نرفض العيش في المياه الراكدة، ونبحث عن النسخة الأفضل منّا، ندرك أن الأزمات التي مررنا بها لم تكن عثرات عبثية، بل منعطفات علّمتنا كيف نسير دون اصطدام، أو على الأقل… كيف نخفف حدّة الصدمات القادمة. قد يكون سبب الانكسار كلمة، أو فعلًا، أو موقفًا، أو ظنًّا غلبنا عند التفسير. لكن الوعي لا ي...

لماذا يصبح الإنسان أكثر هدوءًا كلما فهم أكثر؟

  يظن البعض أن الهدوء علامة برود، أو انسحاب، أو حتى ضعف، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالهدوء الذي يولد من الفهم ليس فراغًا، بل امتلاء. ليس انطفاءً، بل اتزان. فكلما فهم الإنسان طبيعة الأمور، خفّ ضجيجه الداخلي، وتراجعت حاجته للدفاع، والشرح، والجدال. الفهم لطبيعة الحياة يجعل الإنسان كالسَّبّورة؛ كل ما يُكتب عليها يأتي عليه وقت ويُمحى، ثم تُعاد الكتابة من جديد، لطلاب مختلفين، وتجارب متبدلة، وأحداث تتشابه في الوجع أو الفرح، لكنها تختلف في الأسماء والوجوه. ومع ذلك، تعود السبورة نظيفة في نهاية اليوم، لا لأنها لم تتأثر، بل لأنها تدرك أن ما كُتب عليها مؤقت. وهذا تمامًا حال الإنسان الواعي. ليس نقصَ إحساسٍ بالأصابع التي تخطّ عليه الكلمات، ولا قسوةً في القلب، بل وعيٌ عميق بأن ما يُقال ويُفعل مآله إلى الزوال. فالإنسان المتفهم يشعر، يتألم، ويتأثر، لكنه لا يسمح للتجربة أن تسكنه إلى الأبد أو تُعيد تعريفه كل مرة. عندما يفهم الإنسان، يتغير تعامله مع الخسارات، مع الناس، ومع نفسه. لا يعود كل موقف معركة، ولا كل كلمة جرحًا، ولا كل اختلاف تهديدًا. يصبح أكثر هدوءًا لأنه لم يعد يطلب من العالم أن يكون عا...

لماذا نشعر بثقل الماضي مقارنة بالمستقبل؟ فهم الذكريات وتأثيرها على حياتك"

 الأيام تمضي وعقارب الساعة لا تتوقف، لكن بالنسبة للإنسان، الماضي لا يزول كما يزول الوقت. يحمل الإنسان داخله ذكريات وأحداثًا، فرحًا وحزنًا، تتحكم دون وعي بأحلامه ومخاوفه من المستقبل. هذا المقال يأخذك في رحلة لفهم لماذا يبدو الماضي أثقل من المستقبل، وكيف يمكن للوعي أن يجعلنا نستقبل الحاضر والمستقبل بخفة أكبر الأيام تمضي وعقارب الساعة تسير، لكن هل هذا أمر اعتيادي كما نعتقد؟ كطلوع الشمس وغروبها، ربما الشمس التي أشرقت منذ آلاف السنين أو تلك التي ستشرق بعد آلاف السنين، يبدو لها وكأنها أشرقت وغربت ليوم واحد فقط. فهي، سواء أدركت أم لم تدرك، لا تحمل معها شيئاً بنفسها وهذا ليس حال الإنسان الذي يحمل داخله ذكريات وأحداثًا، قد تكون مفرحة وقد تكون محزنة، ومن حيث لا يدري، تتحكم هذه الذكريات بأحلامه ومخاوفه من المستقبل القادم. يظن أحدنا أن الماضي صفحة قد طويت، وأن مع بداية كل يوم جديد يولد إنسان جديد، لكن العقل البشري لا يعمل بهذه البساطة. عقولنا وقلوبنا لا تحذف ما قد نسخ أمامها من صور، وآذاننا لا تنسى رنين بعض الكلمات. أما أفكارنا، فلا بد أن تعتمد في أحكامها على حوادث وقناعات شكلتها الأيام. وهكذا...

السفن المعيبة: تقبّل النفس والوعي بأن العيوب قد تكون رحمة

 السفن المعيبة تشبه الإنسان أكثر مما نظن. فنحن نقضي أعمارنا نحاول إصلاح ما نراه عيبًا في أنفسنا، نهرب من النقص وكأنه عار، ونسعى إلى الكمال وكأنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي. ننسى أن بعض العيوب لم تأتِ لتكسرنا، بل جاءت لتعلّمنا الوعي، ولتحمينا، ولتجعلنا أكثر فهمًا لأنفسنا والحياة. لا تكرهوا العيب في سفنكم، فلا تدرون لولا هذا العيب هل كانت السفن ستسير أصلًا، وهل كان الطريق سيمهَّد أمامكم، أم كنتم ستبحرون بثقة مفرطة في دروبٍ تظنونها آمنة، وهي مليئة بالمخاطر ولصوص العيون إن لم يكونوا لصوص مال. أحيانًا يكون النقص في الإنسان تنبيهًا خفيًا، يوقظه من غفلته، ويجعله أكثر وعيًا بذاته وبمن حوله. كم من عيبٍ أضنى صاحبه، حتى ضاقت به الدنيا وشعر بالنقص والحرمان وقلة القيمة، وظن أن ما فيه ضعف لا يُحتمل. لكنه لم يكن يدري أن هذا العيب ذاته قد يكون رحمة من الله، وأن الله لا يخلق نقصًا عبثًا، بل يضعه أحيانًا ليحمي الإنسان من شرٍّ أكبر، أو ليصرف عنه فقدان نعمة بأكملها. كثيرًا ما نرى العيوب على أنها عائق في الحياة، بينما تكون في حقيقتها سببًا في النجاة والتوازن النفسي. دعوا مراكبكم تسير بعيوبها، واحمدوا...

الصمت المهيب وقوة الإفصاح العاطفي: طريقك للسلام الداخلي

في هذا المقال نتأمل رحلة التعافي النفسي من الجراح الداخلية، والعلاقة العميقة بين الصمت والكلام في شفاء الإنسان. نناقش متى يكون الصمت قوة تحمي الوعي، ومتى يصبح الإفصاح العاطفي أداة تساعد العقل على الفهم والاتزان، ضمن رحلة إنسانية تبحث عن السلام الداخلي والوعي الذاتي. ​إن رحلة التعافي من الجراح النفسية ليست طريقاً واحداً، بل هي توازن دقيق بين استراتيجيتين أساسيتين: قوة الكلام الواعي وقوة الصمت المهيب . القوة الحقيقية تكمن في معرفة متى نختار أيهما، لأن الفضفضة ليست ضعفاً أبداً، بل هي إعادة برمجة للدماغ لكي يتنفس ​الصمت... هو ذلك الشيء الذي كنا نظنه ضعفاً أو قلة حيلة. فهل هو حبس للماضي بين متاهات الذاكرة؟ أم هو مكابرة على كلمات ربما عندما تُحكى تفتح أبواباً لطالما حاولنا إغلاقها؟ ​ربما الصمت هو العلاج لكل ما ذُكر. فعند الحديث، تجوب الكلمات مواقف قد مرّت، ولا يمل العقل من ربطها ببعض، فترى الموقف تلو الموقف، وكأنك تمسك بثوب خُيّط بصعوبة، ولا تلبث أن تنزع تلك العُرى واحدة تلو الأخرى بحديثك عن سبب خياطتها. ​ودون أن تشعر، يذهب الخياط ويُفتح الجرح من جديد وكأنه حصل الآن، فلا أنت تستطيع خياطت...

الطموح والرضا: كيف توازن بين الإفصاح العاطفي والصمت المهيب لتحقيق السلام الداخلي

  في رحلة الإنسان نحو فهم ذاته وإدراك قيمته، كثيرًا ما يختلط شعور الطموح بعدم الرضا، فتتشابك المشاعر ويضيع الطريق. هذا المقال يستعرض الفرق الدقيق بين الطموح الحقيقي وعدم الرضا المفرط، ويقدم طرقًا عملية لتحقيق توازن داخلي بين الإفصاح العاطفي والصمت المهيب للوصول إلى شعور بالأمان النفسي والسكينة.9 ​عدم الرضا المغلف بالطموح... قد لا يستطيع أحدهم التفرقة بينهما، فكلما تاقت نفسه لشيء وصَعُب عليه تحديده، وجد ضائقة في صدره وظن أن طموحه لم يتحقق، مُوصِلاً نفسه لمراحل من الكَبَد والعناء. ​لكن شتَّان بين عدم الرضا والطموح؛ فالطموح أن تسعى، والنتيجة أن ترضى مهما كانت. فإن كان مبرر عدم الرضا الدائم أنني طموح، فلن يصل الإنسان أبدًا إلى شعور الأمان في حياته، وسيبقى يعيش في دائرة مفرغة لا توصله لبرّ الأمان. ​وسيكون كل ألم صغير كقش نستخف به، فإذا تجمَّع، صار كالتلال؛ نتوه بينها ونضيع، ولا نجد أنفسنا. فهل يملأ القش النفوس؟ نعم يملؤها إن سمحنا له، وأغلبنا يسمح بذلك، فالاستهانة بالشيء هي ما توصلنا لهذا المصير. ​هنا نكون أمام خيارين: إما أن نترك القش يرهق أنفسنا، أو نحرقه. ولنفعل ذلك، لن تنجو أنف...

الثبات الانفعالي: كيف تتحكم في مشاعرك كما تتحكم الغيمة بالمطر

  كثيرًا ما نشعر أن مشاعرنا تتسرب من القلب كالمطر من الغيمة، بلا تحكم ولا توقيت، ونعتقد أن التحكم فيها أمر مستحيل. هذا المقال يستكشف مفهوم الثبات الانفعالي وكيف يمكن للإنسان أن يتحكم بمشاعره واختياراته، تمامًا كما تختار الغيمة متى وأين تسقي المطر، ليعيش بوعي أكبر وسكينة داخلية.8 ​ما كان يسير في دمي وعروقي، لا بد وأن يخرج يوماً للناس. لكن كيف ومتى يخرج؟ هذه هي الحكاية. ​حكاية الغيمة الماطرة، الممتلئة بمياه عذبة، تسير في سمائها حاملة ماءها بكل رحابة صدر، غير مثقلة به، بل تحتضنه بكل ما أوتيت من حنان ورعاية، حتى لا تنهمر قطرة منه دون إرادة منها أو إدراك لماذا ومتى تنهمر. ​ولعمري، كم هما متشابهان في كثير من الأشياء؛ عيون الإنسان والغيمة. وماهيتهما هي الماء، إلا أن قطرات الغيمة تسقي أراضٍ وتلالاً، وقطرات العيون تنفث عن القلب شيئاً من الهموم. ​كم نحاول منعها من الهطول أحياناً، ولكنها تغلبنا، بل وتحرق المقلتين، فلا بد من الانصياع عندما تختار طريقها القسري ، والإذن لها لـ إكمال الطريق . ​هل علينا أن نثبت ونحن سائرون؟ ألا نكون كغيمة آمنة في سمائها، وفجأة يهطل مطرها وتغرق الدنيا، فيهرع...